هشام جعيط

169

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

وبذلك نرى وجوب الحذر في معالجة مسألة الجذور الشرقية للكوفة بالخصوص ، والمدينة الإسلامية عموما . ليس أمرا واضحا كل الوضوح أن أحسن كيفية لمقاربة المدينة الشرقية تخيلا ، أن تعرض على النظر المدينة الإسلامية المتأخرة ، سوى بنوع ما من الحدس يكون له مثل التلاشي والعناد الموجودين في شذى البخور السومري ، بل أحرى بنا أن نستعرض مدينة القرن الأول أو الثاني الهجري - كالكوفة والبصرة وبغداد وسامراء - التي زالت زوال سابقتها الشرقية واقتربت منها بما يستبعد أكثر وينتظر أقل . اقتربت منها باعتماد جديد لتقاليد الهوامش الحضارية المتأخرة زمنيا - تقاليد آشورية وبارثية - وبفكرة تخطيط المدينة ذاتها ، وبمواد البناء ، والطابع الهندسي للطرق ، ومفهوم المركز السياسي الديني ، أكثر مما يكون باعتماد الأزقة والسكك الملتوية أو سياج الدار . وعلى كل فلن يكون ذلك عن طريق جماهير الأسواق الملونة . إن الاستمرارية التي تربط الشرق بالإسلام ، لم تكن مقصودة لذاتها أو واعية . كانت استمرارية في الأشكال والتقنيات والتصورات . ومن المفارقة أنها فرضت نفسها على مشروع قطيعة تامة مع الماضي : استمرارية مستميتة تنبض بإصرار على امتداد آلاف السنين من الحضارة . حضارة جرت آثارها من الجنوب إلى المركز ، ثم نحو الشمال . وعادت إلى المركز ، ثم تحولت إلى الشرق . ولم تقدر على محوها ألف سنة من الذل . لقد عرف العرب الفرس ، واحترموهم ، وحاكوهم ، لكنهم تجاهلوا الشرق القديم حقا ، ومحوا منه كلّ أثر للضمير التاريخي . على أن الشرق في شكل متنكر ومتغير ، مكتسبا لمضامين جديدة ، حاضر في العمل الحضاري الخفي الذي قام عليه الإسلام ، هو حاضر في مخطط الكوفة ، وفي الاعتقاد في قوة النص المدون ، وفي تقاليد الكتّاب والعلماء ، وفي تشعبات الفقه ، وفي المدونات الكبرى للحديث ، في مذهب التصوف كما في التشيع . إنه مثال عجيب على امتصاص بعيد عن كل تطابق لن نقف أبدا على سر مساره . ما أبعدنا ههنا عن مجرد تنزيل الإسلام منزلة الشرق . تأثير الهلّينية لقد أحكمت الممالك الهلينستية سيطرتها على ميدان سوف يكون بعد ذلك مرتعا للفتح العربي - باستثناء الأناضول . احتل السلوقيون بالخصوص موقعا مركزيا في الشرق ، فكانت امبراطوريتهم تشمل ، في بداية الأمر ، الشام وبلاد الرافدين وإيران كلها ، ثمّ تراجعوا أمام النهضة الإيرانية التي جسدها البارثيون ، لكنهم تمكنوا من الاحتفاظ بميديا وخوزستان وبلاد فارس ذاتها ، فضلا عن بلاد الرافدين « 1 » . ولا منازع أن قلب

--> ( 1 ) Rostovtzeff , I , pp . 429 - 430 ; The Cambridge Ancient History , VII , pp . 157 - 159 ; A . H . M . Jones , The Greek City from Alexander to Justinian , Oxford , 1940 , pp . 30 - 36 .